لا تبدو زيارة رئيس مجلس الوزراء السيد علي فالح الزيدي إلى واشنطن (13-18 تموز 2026) مجرد رحلة رسمية عابرة في أروقة السياسة الدولية، بل هي محاولة واعية لإعادة تعريف "اللعبة" بين بغداد وواشنطن. الرجل لا يطرح وعوداً تقليدية، بل يبحث عن تحول جوهري ينقل العراق من خانة "الساحة" الأمنية المتوترة إلى فضاء "الشريك" الاقتصادي الفاعل.
يدرك الزيدي أن لحظة خروج التحالف الدولي تتطلب بدائل واقعية، لذا كانت بوصلته واضحة في البيت الأبيض: لا نريد استمرار علاقة تقتصر على السلاح، بل نريد جسوراً تربط بين "أقدم حضارات العالم" و"قلب الاقتصاد العالمي". في خطابه، يراهن الزيدي على أن الاستقرار لن يأتي من الفوهات، بل من جذب الشركات الأمريكية لتكون شريكة في نهضة العراق من إقليم كردستان شمالاً حتى البصرة جنوباً.
لغة الضوء: حينما يتحدث "الزيدي" بعيداً عن صخب الكلمات
لم تكن نظرات الزيدي في البيت الأبيض مجرد تفاصيل عابرة في عدسات المصورين، بل كانت "لغة" موازية للمباحثات. في انحناءة جسده المتزنة، وفي تلك الابتسامة الهادئة التي لم تفارق ملامحه أمام الرئيس ترامب، كان يبعث رسالة طمأنة بأن العراق ليس "طرفاً قلقاً" في معادلة الشراكة، بل شريكاً واثقاً يضع يده على طاولة المستقبل.
ثمة "إيجابية" غلفت حضوره؛ تلك التي تُقرأ في طريقة استقباله للمبعوث الخاص "توم باراك"، حيث عكس ثباته الانفعالي قدرةً على استيعاب تعقيدات الملفات. لغة جسده -بين الإيماءات الواثقة عند طرح أفكاره عن الطاقة، وبين الإصغاء اليقظ في البنتاغون- كانت تقول أكثر مما قاله "بيت هيغسيث" في تصريحاته. كان الزيدي يمارس "دبلوماسية التوازن" بجسده قبل فكره، موزعاً اهتمامه بالتساوي، مما أعطى انطباعاً بأن الرجل يمتلك رؤية وطنية لا تضيق بمكون دون آخر.
بين تفاصيل الواشنطن وصخب الملفات
أما في واشنطن، فالإيقاع كان متسارعاً. فبينما كان الزيدي يغزل خيوط الشراكة الاقتصادية مع وزراء الخزانة، الطاقة، والتجارة، كان الملف الأمني يتصدر المشهد في البنتاغون. اللقاء مع وزير الدفاع "بيت هيغسيث" لم يكن دبلوماسياً ناعماً؛ فقد وضع الأمريكيون شروطاً صريحة: لا شراكة دفاعية أو تجارية مستدامة دون فرض السيادة الكاملة ونزع سلاح الفصائل. وبدا أن الزيدي، الذي يسعى لتحويل العراق إلى نقطة تلاقٍ بدلاً من ساحة صراع، يرى في هذه الضغوط فرصة لتقوية مؤسسات الدولة.
واللافت في هذه الزيارة هو ذلك "التوقيع الثلاثي" مع سوريا بحضور السفير توم باراك؛ خطوة تكتيكية تعيد التذكير بأن الزيدي لا يكتفي بإصلاح الداخل، بل يحاول هندسة دور عراقي إقليمي متوازن، يفكك التوترات بدلاً من تأجيجها.
اليوم.. وبينما يواصل الزيدي حراكه في واشنطن، يقف المشهد العراقي عند مفترق طرق. الزيارة، بلقاءاتها المكثفة مع الرئيس ترامب وصولاً إلى مدير الاستخبارات، تعكس طموحاً لإرساء علاقة مؤسساتية طويلة الأمد. لكن يبقى التحدي الحقيقي- وهو ما تدركه بلا شك- ليس في التوقيع على المذكرات، بل في قدرة الحكومة على حماية هذه الشراكة من عواصف الداخل، وتحويل هذه الأوراق إلى واقع يلمسه المواطن العراقي في أمنه ولقمة عيشه.
إنها باختصار زيارة تحاول رسم مسارٍ صعب، طريقٌ معبدٌ بالرهانات الاقتصادية من جهة، واستحقاقات السيادة من جهة أخرى، وفي المنتصف، تقف بغداد تراقب هل سيعيد هذا "التحالف التنموي" التوازن المفقود؟
